;
رئيس التحرير: صلاح العلاج ملك شركة دي أن أيه الكويتية للتجارة العامة

كيف تقتل نصف شعبك في ثلاث سنوات ولا تحاكم؟

Jul 14 2017
7101
 0

على الرغم من أن التاريخ حافل بقصص عن ديكتاتورياتٍ دموية حكمت شعوبها بالحديد والنار، إلا أن فترة حكم «الخمير الحمر» بكمبوديا بزعامة بول بوت، تعد هي الأكثر وحشية بين الجميع، فعلى الرغم من أن فترة حكمه لم تدم أكثر من ثلاث سنوات، إلا أنه أهلك خلالهم أكثر من 3 مليون كمبودي وهو ما يعادل نصف الشعب الكمبودي حينذاك.

تولى بول بوت زعامة كمبوديا في فترةٍ هي الأصعب في تاريخها، حيث الحرب الباردة تهاجم دول جنوب شرقي آسيا، والحرب الأمريكية – الفيتنامية في أوجها، وكانت كمبوديا منطقة نزاع مما أدى إلى اضطراب الحُكم السياسي بها لسنوات، وفي عام 1976 تحديدًا تمكن بول بوت – الشيوعي المتطرف – وجماعته «الخمير الحُمر» من الانقلاب على الحاكم سهانوك، بدعمٍ من الصين الشعبية، وبدأ في تأميم كل شيء في البلاد، بل قام بترحيل عشرات الآلاف من المواطنين من مدنهم، ووضعهم في مجمعاتٍ سكانية كبيرة لتسهيل الرقابة عليهم، وأطلق على نفسه الأخ الأكبر، كما لو كان متأثرًا برواية جورج أورويل الشهيرة «1984» ويقوم بتطبيق حكمه الديكتاتوري اقتداءً بها.

إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوي التخلي عنها، إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكمًا استبداديًا لحماية الثورة، وإنما يشغل الثورة لإقامة حكم استبدادي، إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب، وغاية السلطة هي السلطة.

هكذا وصف جورج أورويل الحكم الاستبدادي في رواية 1984 وكأنه يصف سنوات حكم الخمير الحُمر بزعامة بول بوت لكمبوديا، وستستغرب إن عرفت كمَّ التفاصيل المتشابهة بين الرواية والمجتمع الذي أنشأه الخمير الحمر في كمبوديا حينذاك، فبعد أن سيطر الحزب الشيوعي لكمبودييا -الخمير الحمر- على مقدرات البلاد في 17 أبريل  1975 وقاموا بإنشاء دولة كمبوتشيا الديمقراطية في يناير  1976 أرادوا أن يقوموا بتحويل المجتمع إلى مجتمع زراعي، فأجبر القادة حوالي أكثر من مليوني شخص في العاصمة «بنوم بنه» والمدن المحيطة بها على ترك مدنهم وأعمالهم، واخلوا المدن من سكانها، فمات عشرات الآلاف أثناء عمليات الإخلاء هذه.

زعم بول بوت وجماعته أنهم يسعون لتطبيق تجربة ثورية تعتمد على سياسة «لينينية- ماركسية»، الكثير من الآمال انعقدت في نفوس هذا الشعب الفقير المقهور حينذاك، الذي وقع فريسة للاحتلال الياباني والفرنسي، والفيتنامي وعانى كثيرًا من السلطات الحاكمة، فرأى في جماعة الخمير الحُمر قوة حقيقية ستجمع أطراف هذا المجتمع المفكك، وستنقذهم من مصيرٍ محتوم.

كان لقادة الحزب الشيوعي لكمبوديا شعاراتٍ وخطب رنانة تتحدث عن التجربة الثورية التي يريدون تطبيقها على المجتمع الكمبودي، حيث لا وجود للطبقيّة بل هناك مجتمعٌ واحد زراعيٌّ خالص، يعمل فيه الجميع فلاحين في إشارة للعودة إلى أصل تلك المنطقة التي تعتمد في اقتصادها على الزراعة، مجتمع لا طبقي ريفي حيث لا أغنياء ولا فقراء ولا استغلال، لكن كل هذه الآمال المنعقدة ما لبثت أن تفككت بعد أن بدأ بول بوت في تطبيق التجربة.

ألغى بول بوت المال والأسواق الحرة والملكية الخاصة ونظم التعليم السائدة، والملابس ذات الطابع الغربي، والممارسات الدينية، أما المدارس العامة والمعابد والكنائس والجوامع والجامعات والمتاجر والمباني الحكومية فقد أغلقت وتم تحويلها إلى سجون ومعسكرات لإعادة التأهيل وصوامع لتخزين الحبوب، كما لم يعد هناك وسائل مواصلات لا عامة ولا خاصة، وتم إلغاء أي نشاط ترفيهي غير ثوري بالمدينة، وأصبحت الأنشطة الترفيهية مقيدة بشدة في أنحاء البلاد، وحتى قادة الحزب الشيوعي أنفسهم كانوا يمتنعون عن ارتداء أي ملابس غير السوداء، والتي كانت بمثابة الرداء الثوري الرسمي بالنسبة إليهم.

حُرم الشعب الكمبودي في فترة حكم الخمير الحمر من أبسط حقوقهم، فلم يكن مسموحًا لأفراد الشعب بالخروج خارج مجمعاتهم السكنية، كما لم يكن مسموحًا لهم بإجراء مناقشات حوارية بعضهم مع بعض، وكان تجمع أكثر من ثلاثة أشخاص بالشارع يتم اعتباره تجمهرًا عدائيًا ويعرض أصحابه للمحاكمة؛ كما كانت العلاقات الأسرية منتقدة بشدة، ومنع الناس من إظهار الحد الأدنى من الشفقة، أو المودة وحس الفكاهة، وتم أمر جميع أفراد الشعب أن يؤمنوا ويطيعوا ويولوا ولاءهم واحترامهم فقط إلى قادة الحزب الشيوعي.

الإبادات الجماعية.. من أجل مصلحتك أنت

عندما بدأ الخمير الحُمر زحفهم نحو العاصمة «بنوم بنه» للسيطرة على حكم البلاد ظن السكان الكمبوديون أنهم سيعيشون في سلام في ظل الحكام الجدد، وأن الجميع سيعمل من أجل رفعة البلاد، لكن لم تمض سوى ساعاتٍ قليلة حتى سمعوا صوت إطلاق النار في الهواء، كانت تلك هي إشارة من الخمير الحمر لسكان المدينة والمدن المجاورة لمغادرة منازلهم ومدنهم جبرًا في غضون أسبوعٍ واحد، فاضطر أكثر من مليوني كمبودي شد رحالهم.

هذا بالإضافة إلى أكثر من مليون لاجئ سياسي كانوا يسكنون المدن الكمبودية في فترة الحرب، وأعلن الخمير الحُمر أن السكان سيتم نقلهم للمناطق الزراعية لمباشرة أعمالهم هناك. يصف أحد السكان الكمبوديين، وهو سائق في العاصمة، ما رآه من جرائم أثناء الإخلاء في ورقة بحثية تابعة لمركز كمبوديا الوثائقي عن فترة حكم كمبوديا الديمقراطية قائًلا: «في 17 أبريل من عام 1975 كنتُ قد خرجتُ لكسب لُقمة العيش كالمعتاد؛ فشاهدت جنود الخمير الحُمر وهم يدخلون بنوم بنه، كان السكان يقفون على قارعة الطريق يلوحون لهم بقطع قماش، أو ملابس بيضاء مرحبين بهم، وما هي إلا بضع دقائق حتى بدأ الجنود في إطلاق النار بالهواء، مُدعيين أن هناك قصفًا أمريكيًّا في غضون ساعات ويجب مغادرة المدينة، فغادر الناس على عجل وأنا منهم، وفي العاشرة مساءً كنتُ مع أخي وزملائي على الطريق المزدحمة بالناس، وحينها سمعتُ أصوات أشخاص يسألون عن أقاربهم وقد تفرقوا، وأصوات أطفالٍ نال منهم الجوع، وعرفتُ أنّ الخمير الحُمر قد بدأوا في مصادرة ممتلكات الناس الخاصة، وأنَّ من رفض تعرض للقتل أو الأسر، وأثناء سيري قامت جندية من الخمير الحُمر بجذبي من ثيابي متسائلة بلهجة حادة إن كنت من الجنود أم لا، كانت إجابتي هي: أنا طالب، واصلتُ السير للوصول إلى مدينة تاخماو، وفي الطريق رأيتُ الكثير من الجثث المُنتفخة من جراء الرحلة المُنهكة، ولم أصل إلى وجهتي إلا بعد ثلاثة أيام من السير».

لم يكن هناك أي استثناءات أثناء إجراءات الإخلاء، فحتى المستشفيات قاموا بإخلائها من المرضى وإغلاقها، فمات جراء ذلك كثيرون من العجزة والأطفال، والذين كانوا في حالةٍ مرضية لا تسمح لهم بالتنقل، كما توفت العديد من السيدات أثناء الولادة، نظرًا لعدم وجود أية رعاية طبية أو أدوية، الكثير من الأطفال فقدوا في الطريق أثناء السير وانفصلوا عن أهاليهم، ولم يكن لدى أي شخص من الشعب فكرة عما يحدث لهم بالضبط.

بعد الإخلاء أصبحت مدينة بنوم بنه فارغة كمدينة أشباح، فقد عزل الخمير الحُمر الشعب الكمبودي عن العالم الخارجي، ولم يكن مسموحًا لأي أجنبي أن يعبر حدود البلاد، كما لم يكن مسموحًا لأفراد الشعب الكمبودي بالمغادرة.

لم يكن الخمير الحُمر قساة في فترة الإخلاء فقط، بل كانوا يؤمنون أن الأنقياء وحدهم هم من يحقُّ لهم حمل اللواء الثوري، وما أن وصلوا للسلطة حتى قاموا بقتل عشرات الآلاف من الجنود، والضباط المدنيين، وفي الثلاث سنوات – فترة الحكم- حدثت إبادات جماعية لكل من تم اعتباره «غير نقي»، فتمَّ إعدام مئات الآلاف من المثقفين، وتبعهم الأقليات العرقية الموجودة في المدينة كالصينيين والشوام والفيتناميين، حتى أعضاء الحزب أنفسهم لم ينجوا من المصير المحتوم، وتم توجيه جريمة الخيانة طبقًا لشروط الحزب الشيوعي، للعديدين منهم وإعدامهم.

كانت خطة الحزب الشيوعي التي بدأت في عام 1976 على يد بول بوت تشترط على المواطنين الكمبوديين إنتاج ثلاثة أطنان من الأرز للهكتار الواحد في كافة أنحاء البلاد، وهي مساحة أقل من 2.5 فدان، وتم ذلك بإجبار المواطنين على العمل لساعاتٍ طويلة بالسخرة تتعدى 12 ساعة باليوم، دون راحة كافية أو طعام. وفي عام 1977 اندلعت النزاعات ما بين الحدود الكمبودية والفيتنامية، وتم إرسال عشرات الآلاف من الجنود الكمبوديين للحرب، والذين لاقوا حتفهم بالآلاف نتيجة لتلك المعارك.

كيف عاش الكمبوديون في ظل الحُكم الديكتاتوري؟

في رواية 1984 وصف جورج أورويل النظام الشيوعي الشمولي كنظرة مستقبلية له عما سيكون عليه العالم عام 1984 حقًا، وهو ما تحقَّق على أرض الواقع في عدة دول وقعت تحت الحكم الديكتاتوري فيما بعد وكان من بينهم كمبوديا، ففي الرواية يعيش الأبطال مُراقبين طوال الوقت من «الأخ الأكبر»، غير مسموحٍ لهم بإنشاء علاقات أو حوارات فيما بينهم، وكان الشعب يعيش في فقرٍ مدقع، ويتم عزله عن العالم، وإقناعه أن بلاده تعيش فترة من أزهى عصورها وأن العالم بالخارج مكان غير آمن له، وهو ما تمّ تطبيقه من قبل الديكتاتور بول بوت على الشعب الكمبودي.

عندما وصل بول بوت لسدة الحكم، كان الخمير الحُمر مسيطرين بالفعل على ربوع البلاد، وكان المجتمع الكمبودي قد تم رسمه وفقًا لخطة الأربع سنوات التي وضعها الحزب الشيوعي حينذاك، فكانت الحياة اليومية للكمبوديين قد تم تنظيمها بالفعل، وتم إنشاء مجمَّعات سكنية كبيرة يعيش فيها كل أفراد الشعب في سبيل إلغاء الملكية الخاصة والرأسمالية، فكانت تلك المجمَّعات السكنية تعني بأن يعيش كل أفراد الشعب بعضهم مع بعض، فكان الأمر أشبه بـ«غرف المشفى»، وكان الجميع يأكلون سويًا على طاولاتٍ كبير، ويعملون سويًا في الحقول، وحتى الوقت الترفيهي كان يتم بمشاركة الجميع وفي حدود تم وضعها مسبقًا من قبل الحزب الشيوعي.

كانت الحياة في تلك المجمعات السكنية تعمل على تغيير شكل الأسرة؛ فالجميع سواسية كأبناء للنظام الشيوعي الذي يجب أن يمثل قادته بالنسبة إليهم الأب والأم، وبما أن الملكية الخاصة كانت ممنوعة، فإن الفرد كان يتنازل عن كل ممتلكاته للنظام، بما في ذلك أدواته الخاصة، والأبقار والأراضي وبذور الأرض والمحاريث ليتم استعمالها بصورة جماعية.

صرح حينها قادة الخمير الحُمر أن تلك المجتمعات السكانية هدفها هو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأنها قوة عظيمة لبناء تلك البلد، وأن الجدران التي تحيط بهم ما هي إلا لحماية كمبوديا الديمقراطية من أعدائها.

تم تقسيم الشعب الكمبودي إلى طبقتين لا ثالث لهما، طبقة أساسية وهي التي كان يحق لها التصويت وممارسة حقوقها كاملة وفقًا للشروط الموضوعة بالطبع، وهم هؤلاء الذين عاشوا في المناطق الريفية تحت رعاية الخمير الحُمر حتى أبريل 1975، أما طبقة الأشخاص الجدد، فهم هؤلاء الذين تمّ إخلاؤهم من العاصمة والمناطق المجاورة وتم التعامل معهم على أنهم طفيليات ليس لهم أية حقوق، وكانت تتم الإشارة إليهم على أنهم أسرى حرب، و«نباتات طفيلية مهزومة».

أما عن منظومة الزواج في العصر الديكتاتوري فكانت تختلف تمامًا عن تلك التي شهدتها كمبوديا قبل حُكم الخمير الحُمر، فحفلات الزفاف كانت جماعية تحتوي على حوالي من اثنين إلى خمسة أزواج، ويحضرها من خمسين إلى مئة شخص جميعهم من الرجال، أما النساء فلم يكن مسموحًا لهن بالحضور، وأما العرائس فلم يكن مسموحًا لهن باختيار شريك حياتهن، حتى إن بعضهنّ لم يرين شريكهن ولم يعرفن اسمه إلا أثناء حفل زفاف، فقادة الحزب الشيوعي هم الذين يختارون الشريكين بعضهم لبعض، باعتبارهم أولي أمرهم، أما أسرهم الحقيقية فلم يكن مسموحًا لها حتى بحضور الزفاف.

أما الأطفال في ظل العصر الديكتاتوري فكانوا ممنوعين من الذهاب إلى المدارس الرسمية، فالخمير الحُمر لم يؤمنوا بالتعليم، فقط آمنوا بالعمل، ولذلك كان يتم أخذ الكثير من الأطفال من منازلهم ووضعهم في مراكز إعادة تأهيل لاستخدامهم فيما بعد كجنود أو حراس شخصيين.

كان بول بوت وجماعته يؤمنون أن أعداءهم في كل مكان، حتى اعتبروا أبناء الشعب نفسهم من الأعداء، فعندما دخلت القوات الفيتنامية شرق كمبوديا عام 1977، وبعد انسحابها أخذت معها مئات المدنيين من الكمبوديين، فعاد بول بوت من الصين وقد اعتزم حملة تطهير واسعة النطاق، اتهم خلالها سكان شرق كمبوديا بالتعاون مع القوات الفيتنامية، وتم القبض على الكثير من المدنيين وتقديمهم للمحاكمات بتهم الخيانة.

وفي أوائل عام 1979 قامت القوات الفيتنامية بإنشاء جبهة معارضة لنظام الخمير الحُمر في كمبوديا كان مقرها العاصمة بنوم بنه، وأطلقوا عليها جمهورية كمبوديا الشعبية، وفي تلك الأثناء فر الكثير من جنود الخمير الحُمر وقادتهم من العاصمة بنوم بنه إلى الشمال الغربي، وأجبروا حينها الكثير من الناس على إخلاء مساكنهم في حركة إزاحة ثانية راح ضحيتها مئات الآلاف من الجوع والمرض. وفشل الخمير الحُمر في تجميع الشعب حولهم في تلك الأثناء، واستمر النزاع بين القوى الخارجية والخمير الحُمر بزعامة بول بوت، حتى نجحت فيتنام في إرسال جيشها واحتلال كمبوديا تمامًا عام 1979، وهرب بول بوت تاركًا البلاد في حالة من الخراب التام، بعد أن قتل أكثر من ثلاثة ملايين كمبودي في عصره، وأصبحت المدارس والمستشفيات ومراكز الخدمة المدنية في المدينة عبارة عن أطلال، عبر بول بوت الغابات فارًا من القوات الفيتنامية، حتى وصل إلى الأراضي التايلاندية المجاورة بسلام، وعاش في مخيم للخمير الحُمر حتى وفاته عام 1998.

 

نقلا عن ساسة بوست


أضف تعليق