رئيس التحرير: صلاح العلاج ملك شركة دي أن أيه الكويتية للتجارة العامة

د. أنوار السعد تكتب | المنسي وأبوه.. كسرا ظهورنا

Oct 06 2018
6773
 1

بينما كنت أكتب هذه المقالة في رثاء شخصية «المنسي» باسم المقال آنذاك «الولد الصالح.. كسر ظهورنا» بدأت بجملة: «لا يرثي المرء أشخاصاً عرفهم في حياته اليومية فقط، لكنه يمكن أن يرثي وبكل حسرة وألم أشخاصاً تمنى من كل قلبه لو أنه عرفهم قبل رحيلهم!»، باغتني خبر وفاة «أبو الأدب الكويتي وأبو المساكين والمظلومين والمنسيين في الكويت»، لأدخل في مرحلة من الحزن الشديد، ليس الحزن الذي يعترينا تجاه «الأموات الجدد»، والذي لا تلبث مشاغل الحياة أن تزيحه عن ظهورنا مع مرور الأيام، ولكنه أسى لمعرفتي بأن الجميع سينسى وبكل سهولة «المنسي» و«الأب» الذي دافع عنه بكل ضراوة وبلا خوف أو تحيز.
المنسي ابن أبيه، هذه الشخصية التي حملت ثقل قضية تعمدنا تحاشيها أو تناسيها بشكل أو بآخر، وهي قضية البدون، أو من يسمونهم «المقيمون بطريقة غير شرعية»، والتي لم يتوان إسماعيل فهد إسماعيل، هذا الكاتب العظيم الذي رحل عنا الأسبوع الماضي، عن التطرق إليها والولوج إلى عوالمها من أصغر التحديات التي قد يواجهها «البدون» في حياتهم اليومية في الكويت، وحتى الأمور المصيرية كلحظة دخولهم المدارس ليلاحظوا الاختلاف في المعاملة، وأن الأرض التي عاشوا عليها طفولتهم وتربوا فيها ليست «الوطن»، لأنهم لا يحملون أوراقه الثبوتية، مروراً بجواز «المادة 17» عند السفر وصعوبة العودة، ومرحلة الدفاع عن هذه الأرض بدافع غريزي أثناء الاحتلال، وأخيراً التحول في مفهوم الهوية لدى المجتمع الكويتي في مرحلة ما بعد الاحتلال وما أسميه «بأمراض الهوية»، من عنصرية وتقليل وإقصاء «للآخر» مهما كان، فقط لأنه «بدون» أو «وافد»، أو حتى ضد الآخر كـ«المرأة» غير المسنودة بظهر رجل، فتتلقى ضربات المجتمع من كل الجهات.
أبونا، رحمة الله عليك، المنسي ما زال منسياً، بل ونسيناه أكثر، وعدنا إلى حياتنا بكل ما فيها من أمور قد تشغلنا عن كل شيء، وأي شيء، حتى إنسانيتنا. المنسي: الدكتور طلال الشمري، هذا الطبيب الشاب الذي رحل عنا وهو يلبي نداء أسمى وظيفة عرفتها البشرية، رحل عنا وهو يعطي لحياة الإنسان كل وقته وجهده لينقذها ويحافظ على سلامتها، توفي وهو في المستشفى يستعد لعمله، فأقمنا الدنيا ولم نقعدها مدافعين عنه ومطالبين بأن يأخذ حقوقه على الأقل كطبيب، حقوقه التي يفترض أن تكون حقا مضمونا له ولعائلته التي كان يعيلها من بعده، لننساه وننسى قضيته في أقل من شهر.
عندما كنت أعزم على كتابة هذه المقالة في رثاء الدكتور «المنسي» يا أبي، وضعت نفسي كثيراً في مكان عائلته، التي قرر بعد دراسته في الخارج، أن يعود ليعيلها تاركاً أنانيته في بناء مستقبله على جنب، ليعود ويرضى بأقل القليل من أجلهم. ماذا لو كنت في مكان عائلته؟ ماذا لو وقفت كما وقف أبوه على قبره مردداً «انكسر ظهري يا يبه.. أنا أشهد إنك ولد صالح.. أنا أشهد إنك ولد صالح»، فهل كنا سننتظر أسبوعاً أو اثنين من المطالبة بحقوق هذا الدكتور، هذا الإنسان الذي شهد الجميع بأخلاقه وإنسانيته، لننسى بكل بساطة؟ ماذا لو كنت مكان أمه الثكلى التي فجعت بابنها البار حتى قبل أن تفرح برؤية أبنائه.. هل كنا سننسى ونتركهم «بدوناً»؟ هذا وقد رحلت عنا يا أبا الإنسانية الذي أفنيت حياتك مدافعاً بقلمك وكلماتك عن كل المظلومين والمنسيين على هذه الأرض، حتى عندما حاولوا تكميم كلماتك ومحوها، وقفت في ظهر كلمة الحق واكتفيت بردك الراقي على تدخل الرقابة وحذفها لـ38 مقطعاً من روايتك بعبارتك «حُذف بمعرفة الكاتب»، لتعلمنا درساً في التسامح والدفاع عن الحق وواجبنا في الدفاع عن الوطن وحقه في الإبداع.. رحلت لتتركنا والمنسي وكل من كرست حياتك للدفاع عنهم في «صندوق أسود آخر!».

القبس


أضف تعليق