;
رئيس التحرير: صلاح العلاج ملك شركة دي أن أيه الكويتية للتجارة العامة

كيف دمر الزواج حياة أدباء مرموقين؟

Oct 10 2018
4337
 0

يقول تولستوي في بداية رواية «آنا كارنينا»: «الأُسر السعيدة كلها متشابهة، وكلّ أُسرة غير سعيدة، هي غير سعيدة على طريقتها».

وهذه وجهة نظر مخالفة، لما صرّح به يومًا ما في بداية حياته الأدبية، من أن السعادة الحقيقية تكمن في الحياة الأسرية، مما يدفع للتساؤل، هل كان تولستوي غير سعيد على طريقته، أم أن التعاسة في الحب والزواج كانوا قدرًا مُشتركًا بين المُبدعين، وقد تكون أثرت بشكلٍ أو بآخر في كتاباتهم، خاصةً تلك التي خُلدت، وصُنفت من أفضل أعمالهم؟

«أتعس الزيجات» .. ليو تولستوي وصوفيا

في عام 1862، تزوج الأديب الروسي ليو تولستوي من امرأة تدعى صوفيا أندريفنا بيرس، زواجًا عُرف فيما بعد بأنه أتعس الزيجات في الوسط الأدبي.

كانت صوفيا تصغر تولستوي بـ16 عامًا، أنجبوا خلال الزيجة 13 طفلًا، مات منهم خمسة أطفال في مراحل الطفولة المبكرة. آمن تولستوي خلال السنوات الأولى من زواجه بأن الاستقرار العائلي هو السبيل إلى سعادة أبدية، وهذا يعني أن حياته الزوجية لم تكن دائمًا بهذه المأساوية.

عُرف عن تولستوي المثالية والقداسة، فقد كان يعيش كراهب، يلقي خطبًا عن الحب والخير، لكنه وقع ضحية زوجة مُستبدة ومتهورة، لا تفهم أهدافه النبيلة، قادته تصرفاتها الهستيرية وتحكماتها في النهاية إلى ترك منزله الكائن في ياسنايا بوليانا عام 1910، قبل أيام من وفاته، في كوخ محطة سكة حديدية، وحوله حشود الصحافيين يسجلون الميتة المروعة لأحد أشهر الأدباء في العالم.

كانت هذه وجهة النظر السائدة عن حياة تولستوي الزوجية لسنوات، وفي عام 1981، نشرت أنّا إدواردز كتاب سيرة ذاتية، تحكي فيه قصة صوفيا زوجة تولستوي من مذكراتها الخاصة، أشارت فيها إلى ما يبرز في مذكرات صوفيا والتي تمتد لأكثر من 50 عامًا، صورة لرجلٍ قاسٍ وصعب المراس، غير مبالٍ لعائلته، ينتقد أقل التفاصيل نقدًا لاذعًا، أجبر زوجته على إرضاع 13 طفلًا هم جميع أطفالهم رضاعة طبيعية، حتى حين نال منها الإرهاق والتعب.

تستشهد إدواردز بكلمات تولستوي نفسه عن زوجته، «هي أم مثالية، وزوجة مخلصة»، لتدلل على ما جاء في مذكرات صوفيا، مُضيفة: «كتبت صوفيا كل مخطوطات تولستوي بخط اليد -بما في ذلك الحرب والسلام- وقد أعادت كتابة تلك المخطوطة تحديدًا سبع مرات، وفي إحدى هذه المرات عانت من حمى النفاس، وداهمها المرض الشديد، استبد بها القلق لأن مرضها سيحول بينها وبين قدرة زوجها على الكتابة».

كانت صوفيا تعمل سكرتيرة خاصة لزوجها، في الأوقات التي لم تكن منشغلة فيها بصحبة أطفالها، وفي حين كان تولستوي يقضي أغلب وقته في حجرة مكتبه يكتب، كانت هي حريصة على أن تشغل الأطفال حتى لا يعكروا صفو والدهم، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها حتى بعدها تحول هذا الحب والتفاني من جهتها إلى كرهٍ متبادل بينهما.

كان الأديب العظيم كما تصفه صوفيا في يومياتها رجلًا بارد المشاعر، لم يكلف نفسه عناء الوجود بجانب سريرها عندما كانت في أشد أوقات مرضها، يظن أنه أكثر حكمة من الآخرين، ولهذا ينظر إليهم بشيء من الفوقية، فأصبح زواجهما أشبه بحربٍ دائمة دون سلام، دفع تولستوي خلاله زوجته إلى حافة الجنون، وأجبرته هي الأخرى في النهاية على ترك منزله.

«الموت فن».. سيلفيا بلاث والشاعر تيد هيوز
في 11 فبراير من عام 1963، قامت سيلفيا بلاث بوضع طفليها في سريرهما، وضعت بجانبهما أكواب الحليب وبعض الخبز، ومن ثم أغلقت باب الغرفة وسدت كل الشقوق. توجهت إلى المطبخ، ووضعت رأسها في الفرن، وفتحت الغاز، وذلك بعدأن تناولت الكثير من الحبوب المنومة، وكأنها أرادت أن تؤكد على ميتتها. ماتت في الثلاثين من عمرها ولم يمضي على زواجها من الشاعر تيد هيوز سوى سبع سنوات.

كان موضوع زواج سيلفيا بلاث من الشاعر تيد هيوز باعثًا للكثير من المناقشات التي لا تُعد ولا تحصى في الأوساط الأدبية، فقد كانا شاعرين متيمين بالحب وشخصيتين قويتين، وعلاقتهما ذات قوى مغناطيسية خاصة، مولعين ببعضهما البعض، يافعين، وممتلئين بالحياة والحرية، تزوجا في 16 يونيو من عام 1956؛ إلا أن الحياة الزوجية لم تكن أحلامها وردية كما تخيلوها؛ إذ تحولت السعادة الأبدية إلى جحيم لا يطاق.

كانت حياة سيلفيا بلاث مليئة بالقلق والارتياب، في البدء خشيت ألا تنجب أبدًا، ومن ثم أنجبت طفلتها الأولى عام 1960، فخشيت على ذاتها من الأمومة، وتحولت إلى إمرأة خارقة تريد أن تفعل كل شيء دون أن تشعر بالذنب، فأدت واجبات أمومتها على أكمل وجه وهي تكتب بجانب حفاضات الأطفال، وفي المطبخ أثناء إعداد الطعام على كل ما وقعت يديها عليه من قصاصات ورقية؛ وفي هذه الأثناء كان هيوز منشغلًا عن واجبات الأبوة بالأمسيات الثقافية التي كانا يحرصان على ارتيادها معًا في السابق. لم يغير هيوز أيًا من عادات حياته السابقة، تاركًا عبء المسؤوليات كلها يقع على عاتق زوجته حتى أهلكها.
في عام 1961، تعرضت بلاث للإجهاض في طفلهما الثاني، وفي رسالة كتبتها إلى معالجها النفسي، صرحت أن هيوز قد ضربها ضربًا مبرحًا قبل الإجهاض بيومين، إلا أنها تجاوزت ذلك، وأنجبت طفلها الثاني في العام التالي 1962، لكن الحياة أبت أن تمنحها بعض الراحة؛ إذ لم تمضِ عدة أشهر حتى شرع هيوز بالدخول في علاقة غرامية مع امرأة تدعى آسيا وايفل، وامتدت العلاقة لفترة من الوقت كان يختفي فيها الزوج مع عشيقته الجديدة بالأيام، وعندما واجهته سيلفيا رفض إنهاء علاقته، وحينها ترك المنزل وانفصل الزوجان في يوليو من نفس العام.

عاشت بلاث وحدها مع أطفالها في شقتها في شتاءٍ قاسٍ وموحش بين عامي 1962 و 1963، تهتم بطفلها الرضيع وابنتها الصغيرة كأم خارقة، كتبت خلالهما كما لم تكتب من قبل؛ إذ كانت تبدأ يومها في الساعة الرابعة فجرًا، وكانت الساعات القليلة التي تخلو فيهما لنفسها قبل استيقاظ أطفالها تمثلان أغلى ما لديها من الوقت؛ فكتبت خلالهم أكثر القصائد إشراقًا كما تصفهم الكاتبة التركية أليف شافاك، تقول بلاث في إحدى هذه القصائد: «الموت فن، مثل كل شيء آخر، أمارسه ممارسة استثنائية».

زيجة العصر الذهبي.. زيلدا وفيتزجيرالد

«كانت أول فتاة لطيفة عرفها، مرغوبة بشكلٍ مثير للدهشة، لامعة كالفضة، ومزهوة تترفع بفخر عن نضالات الفقراء، أما هو فقد كان شابًا مُفلسًا، بلا ماضٍ». هل كان فيتزجيرالد يقصد زوجته زيلدا عندما وصف ديزي في رواية غاتسبي العظيم؟

يقول عن ذلك ماثيو بروكولي وهو كاتب سيرة سكوت فيتزجيرالد،أن كل ما كتبه سكوت كان شكلًا من أشكال السيرة الذاتية، كان سكوت في الحقيقة شابًا مُفلسًا عندما التقى زيلدا لأول مرة، ووجد فيها امرأة جذابة وذكية، تلمع مثل الفضة وسط الثراء، ابنة برية جامحة، والدها قاضي محكمة ألاباما. كان يعرف أنه لن يتمكن من الزواج منها إلا إن استطاع أن يكفل احتياجاتها المادية، ولهذا تم الزواج بعد نجاح روايته الأولى «هذا الجانب من الجنة».

تزوج فيتزجيرالد وزيلدا ساير –التي اتخذت فيما بعد لقب عائلته– عام 1920، وقد كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها، وهام أحدهما بالآخر هيامًا لا حدود له، وعاشا حياة جامحة، يطلقون فيها صيحات الحرب على بعضهما البعض، وفي اليوم التالي يتسابقان بالسيارات على طرقٍ ملتوية التواء حادًا؛ فكانت الصحافة تتبع خطواتهم وبات زواجهما الذهبي في عصر الجاز هو مركز اهتمام وسائل الإعلام.

إلا أن هذا الوجه من الزواج كان فصلًا واحدًا فقط من علاقة تعاني، أدمنا خلالها الكحوليات والخيانة وحياة الليل والسهر، وعانت زيلدا بعدها من المرض العقلي، مما يتسبب في انفصالهما، لتموت زيلدا في سن السابعة والأربعين أثناء نومها بإحدى المصحات العقلية إثر اندلاع حريق، وذلك بعد ثماني سنوات من وفاة زوجها.

كان الوجه الآخر من زواج زيلدا و فيتزجيرالد لا يخلو من التدمير النفسي؛ إذ عُرف عن زيلدا غيرتها الأسطورية، ونوبات غضبها التي دفعتها ذات يوم إلى خلع مجوهراتها الأنيقة أثناء إحدى الحفلات، وإلقائها في ماءٍ ساخن، في محاولة لعمل شوربة مجوهرات، أو إسقاط نفسها عن درج رخامي إذا أبدى زوجها اهتمامًا بأنثى أخرى غيرها، ويصل بها الأمر إلى إحراق ثيابها وتدمير مقتنياتها.

عندما ذاع صيت سكوت في الأوساط الأدبية وأصبح واسع الشهرة، اتخذت غيرة زيلدا شكلًا آخر، إذ أخذت تشتت انتباهه في الساعات التي كان يقضيها في تأليف رواياته، كما أراد سكوت إبقاء زوجته دائمًا في المنزل، خوفًا من أن تعشق أو تغازل رجلًا آخر إذا ما خرجت وحدها.

عانت زيلدا خلال هذا الوقت من انهيارٍ عصبي وهلوسات؛ إذ انشغل عنها زوجها بإنهاء رواية «غاتسبي العظيم»، وتركها للوحدة والقلق، حاولت خلال هذه الفترة الانتحار، وفي عام 1930، شخص الأطباء مرضها على أنه انفصام في الشخصية، أدخلت على إثره إلى أحد المستشفيات، وقضت ما تبقى من حياتها تحت رعاية أطباء نفسيين.

كان المرض النفسي دافعًا بالنسبة إلى زيلدا للدأب على التأليف باستمرار، فكتبت بصدقٍ بالغ مع نفسها روايتها الوحيدة «Save me to the waltz»، وهي الرواية التي أزعجت سكوت فيتزجيرالد؛ إذ كانت زيلدا تكتب عن مرضها العقلي، وهي نفس المادة التي استخدمها زوجها لكتابة روايته «Tender is the night».

صرحت زيلدا فيما بعد أن الموضوعات التي كتب عنها زوجها كانت من بنات أفكارها، مُشيرة إلى أن استهلالات يومياتها التي كانت تحتفظ بها في منزلها، انتهى بها المطاف في روايات زوجها.

إرنست همنجواي.. عاش ممزقًا بين زيجاته
عاش الكاتب إرنست هيمنجواي حياةً جامحة، إلا أنه في الوقت ذاته عاش بائسًا، تعذبه ذكريات زواجه الأول، باحثًا عن استعادة تلك الأيام التي كان فيها شابًا وفقيرًا، وفي يوليو من عام 1961، وداخل منزله الواقع في مدينة كيتشم، وضع حدًا نهائيًا لحياته؛ إذ أطلق الرصاص على نفسه، لتعثر زوجته الأخيرة والرابعة ماري ويلش على جثته.

كانت رصاصة همنجواي، رصاصة رحمة لكل ما اختبره في الحياة، فهو من الجيل الضائع، هذا الجيل الذي عاش بين حربين عالميتين وأدمن التدمير الذاتي، وعاقر الخمور؛ احترف صيد الثيران، وصيد الأسماك من أعماق البحار وشارك في الحرب العالمية الأولى والثانية، إلا أن الروائي الحائز على نوبل في الآداب عام 1954 لم يحظ يومًا بحياة أسرية مستقرة رغمًا عن أن زيجاته قد استمرت لفترات طويلة.

عُرف عن هيمنجواي علاقاته النسائية المُتعددة، وصداقاته الجامحة مع النساء، إلا أن علاقته الزوجية الأولى مع هادلي ريتشاردسون كانت أكثرهم تأثيرًا في نفسه، إذ عاشت معه حياة متقشفة، كان فيها مُفلسًا وفقيرًا، يلعن الفقر كداء؛ إلا أنها كانت المرة الوحيدة التي اختبر فيها السعادة الحقيقية، هكذا صرح الكاتب هوتشنر في كتابه «بابا همنجواي»، والذي يتناول فيه السيرة الذاتية لواحد من أهم روائيي القرن العشرين.

يقول هوتشنر أن همنجواي كان مجنونًا بحب زوجته الأولى هادلي، إلا أن ظهور بولين -زوجته الثانية- في حياته كان مُربكًا بالنسبة إليه، في البداية رفض محاولتها في التودد إليه، إلا أن بولين كانت عاقدة العزم على أن تأخذ ما تريد؛ إذ كانت فتاة مدللة، من أسرة واسعة الثراء، تبدو وكأنها عارضة أزياء شهيرة بإحدى المجلات، عالمها فارغ، ولم تعتد على الرفض.

همنجواي وزوجته الثانية بولين

اقتحمت بولين حياة همنجواي الأسرية، لم يردعها وجود زوجة أو طفل، بدأت في التردد على منزله المتواضع بإحدى الأحياء الفقيرة، تدعوه هو وزوجته للسهرات الفاخرة، والمطاعم باهظة الثمن، وكان ينتهي بهما الحال وحدهما هي وهمنجواي، في غياب الزوجة التي دائمًا ما كانت تفضل الجلوس في المنزل ورعاية الطفل.

كانت بولين تنفق الكثير من الأموال لتبقى على مقربةٍ من همنجواي، وهنا رآها همنجواي ذكية ومليئة بالرغبة، واستطاعت أن تحصد إعجابه، فيقول عن ذلك: «كنتُ فقيرًا والفقر مرض لعين تتخلص منه ببعض المال، أعتقد أنني أحببت الطريقة التي أنفقت بها أموالها على مصممين الأزياء والسيارات الفاخرة، والمطاعم باهظة الثمن».

خان همنجواي زوجته الأولى مع بولين، وعاش فترة طويلة مليئة بالغموض، يجمع فيها بين العلاقتين، حتى اكتشفت هادلي أمر الخيانة وانتهى الزواج السعيد بالطلاق.

مُستسلمًا لمظاهر الثراء الفاحش؛ تزوج همنجواي من بولين عام 1927، وأنجب منها طفلين، وفي عام 1937 أثناء وجوده في إسبانيا إبان الحرب الأهلية الإسبانية، تعرف هناك على مارثا غيلهورن -زوجته الثالثة- وهي مراسلة تغطي المعارك، ودخل معها في علاقة غرامية جديدة، تسببت في طلاقه من بولين عام 1940، أي بعد 13 عامًا من ارتكابه ما سماه: «غلطته الشنيعة»، مُصرحًا أنه كان أعمى لم ير الثراء على حقيقته؛ إلا أن بصيرته قد عادت ليرى هذا العالم بعينٍ ثانية، فالثراء ليس إلا آفة تقتل الحياة.

كانت علاقات همنجواي المتعددة وزيجاته غير المستقرة مصدرًا للثراء الأدبي؛ إذ كتب همنجواي أغلب رواياته في هذا الجو المليء بالتوتر والخيانات.

 

ساسة بوست


أضف تعليق