رئيس التحرير: صلاح العلاج ملك شركة دي أن أيه الكويتية للتجارة العامة

د.ابتهال الخطيب تكتب | دبابير

Dec 05 2018
6828
 1

لا تتغير الظروف ومعطيات الحياة ومستجدات العلم التي تحول الأيام عن مسارها المتوقع فقط، ولكن التغيير يصيب الأفكار والمعتقدات وحتى المبادئ والمثل كذلك، ومعها تتغير منظومات لطالما اعتقدها الإنسان ثابتة راسخة عميقة الجذور.

كانت القناعة كنزا لا يفنى ذات يوم، فأصبح الطموح هو كنز هذه الأيام. كان الكرم مصدر فخر ذات يوم، فأصبح الترشيد والقدرة على جمع المال هما مصدر الفخر هذه الأيام. كان الامتداد العرقي هو الأهم ذات يوم، فأصبح الإنجاز الشخصي هو المتصدر هذه الأيام. التغيير بطيء، نعم، ولا يصيب كل البشرية في ذات الوقت، حقيقة، لكنه مصيبها ولابد.

هو قدر البشرية أن يصيب التغيير حتى أشد أسسها صلابة، ليست الأسس الأخلاقية والنفسية فقط، ولكن حتى الجسدية الجينية كذلك والتي تطورت وتغيرت، ولا تزال، عبر مراحل تكون الإنسان منذ أن ترك جده الأول الأشجار ونزل الى الأرض لينمو ويتطور مخه، وصولا إلى هذا الكائن البدائي المغرور الذي هو نحن اليوم.

تونس تفهم ذلك، تونس تعلم أن لكل "زمن" مقالا، تونس ترى بعينيها الخضراوين أن التغيير ملزم لحفظ حقوق مواطنيها، فمن غير المعقول، تقول تونس بقراراتها، أن تتحول هي الى دولة دستورية مدنية، وتبقى قوانينها قبلية أو دينية. منذ سنوات طويلة ونحن نسمع حوارا خلابا يدور في تونس. فعلى سبيل المثال، حين أصرت تونس على إلغاء قانون تعدد الزوجات في نهايات الخمسينيات من القرن الماض، قالت، من خلال مشرعيها ومن خلال أصوات شعبها الذي خرج متظاهرا من أجل حقوق المرأة، في عارض ردها على المعترضين دينيا والذي ساقوا حجة أن منع التعدد سيوقع كثيرا منالرجال في الحرام، أن تونس الدولة المدنية ليست مسؤولة عن إيصال رجالها ونسائها إلى الجنة، فليذهب إلى الجحيم كل من هو غير قادر على التحكم في شهواته، تلك ليست قضية أو مشكلة تونس، إنما تونس الدولة المدنية هي مسؤولة عن حفظ حقوق مواطنيها الدنيوية وضمان مساواتهم والعدل في قضاياهم.

وكذا كان رد تونس حين دار النقاش حول موضوع المساواة في الإرث، والذي طالما كان موضوعا بالغ الصعوبة والحساسية في التعامل معه لما له من دلالات جندرية خطرة في مجتمعاتنا المستغرقة في أبويتها ونتائج وخيمة ماليا على "الذكور" الذين لن يفقدوا فقط مميزات مالية عالية ضُمنت لهم لقرون عدة ولكن كذلك سيفقدون مميزات القوامة التي وضعتهم دوما وبلا منازع في المقام الأعلى والأقوى اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

قالت تونس على لسان مشرعيها أن أحكام المواريث استندت إلى نظام قبلي قديم اعتمد الذَكر المصدر الرئيسي لامتداد القبيلة، في حين أن الأنثى هي موقع ضعف تُخترق من خلاله قوى القبيلة إجتماعيا واقتصاديا من حيث انتقال الأموال معها إلى قبيلة أو أسرة أخرى كما هو الحال مع انتماء أبنائها، الذي يرفع من عدد القبيلة الأخرى لا قبيلتها الأصلية (للمزيد يمكن قراءة مقال وجدان بوعبدالله "للذكر مثل حظ الأنثى . . . فعلتها تونس" والمنشور على موقع رصيف22 في يوم 24 نوفمبر الماضي).

وهكذا تستمر تونس في سلسلة إصلاحاتها لمجلة (أي قانون) الأحوال الشخصية، والذي يبدو أن مشرعيه يستلهمون إصلاحاته من الاقتراحات الجريئة، وعظيمة الحس الإنساني الواردة في تقرير "لجنة الحريات والمساواة" التي أطلقها الرئيس الباجي السبسي للبدء بسلسلة من التحصينات الإنسانية للشعب التونسي وللدفع بتونس إلى أعلى هرم المدنية والعدالة الاجتماعية.

بعد تصديق مجلس الوزراء التونسي على هذا القانون يتبقى تصويت مجلس النواب عليه ليتم تمرير القانون وليدخل حيز التنفيذ، وتلك ستكون خطوة عصية، الا إنها قادمة بلا شك، الآن أو بعد حين. اليوم لم تعد النساء مَعيلات، لم يعدن رعية، بل هن راعيات مُعيلات عاملات، يشاركن في مدخول الأسرة وتغطية مصروفاتها.

اليوم لم يعد مطبقا التزام الرجال بإعالة نساء العائلة، فهذا زمن "يالله نفسي" الذي أصبح فيه الفرد كيانا منفصلا تحت الأنظمة المدنية لمعظم دول العالم، كما لم يعد مقبولا إلزام الرجل بهذه المسؤولية المالية لما يبنى عليها من حقوق ذكورية تمييزية عديدة ليس أقلها القوامة والطاعة وغيرها.

لا يخدعنكم، سيداتي النساء، القائلون أن مسؤولية الرجل المالية هي إشارة تدليل وتغنيج للمرأة، إنما تأتي مع المسؤوليات المالية على الرجل حقوق عظيمة له تضع المرأة مباشرة في الصف الثاني من الهرم الإنساني.

ولا ننس، المسؤول عن التكلفة الإقتصادية هو دوما صاحب القرار النهائي. هذا هو قانون الحياة والذي تود أن تفرضه القراءات والتفسيرات الدينية القديمة على الموازنة الإنسانية الجندرية. علينا اليوم كنساء أن نتخلى عن ظاهر الراحة ومزيف الدلال، علينا أن نتحمل المسؤوليات الكاملات وأن نكون على قدر الحقوق التي نطالب بها. مطلبنا لا يجب أن يكون راحتنا، المطلب هو مساواتنا الإنسانية (مع التحفظ على لفظة مساواة التي تصنع من الرجل مقياسا للحقوق) وحفظ كراماتنا وحقوقنا المواطنية والمدنية، ونعم حتى لو كان ثمن هذه المساواة هو المعاناة، فالعدالة، كما تقول سيمون دي بوفوار، لا السعادة، هي الهدف النهائي، وهذا موضوع لمقال آخر.

تونس التي لا تلبث أن تزداد اخضرارا، تونس الربيع العربي الحقيقي الأوحد في المنطقة، شكرا لك أن فتحت باب العاصفة ونبشت عش الدبابير.

لربما تضعنا العاصفة أمام صورة أوضح، لربما تزودنا لسعات الدبابير بالأمصال المطلوبة لأجسادنا وعقولنا لكي نحدث التغيير قبل أن نتسمم جميعا بانتهاء صلاحية أفكارنا ومقاييسنا ومفاهيمنا الاجتماعية. لربما تصنع تونس المعجزة، فتتروض الدبابير، وتهدأ العاصفة، لنخطو كلنا إلى القرن الواحد والعشرين.

 

الحرة


التعليقات
64x64
Dec 05 2018

maryam

👍🏽🌹🌹🌹🌹
عرض الردود
0
0
المزيد من التعليقات
أضف تعليق